أحمد بن محمد مسكويه الرازي
399
تجارب الأمم
فسألني عن أخبار الشورجيّين وما يجرى لكلّ غلام منهم من الدقيق والتمر ، وعمّن يعمل في الشورج [ 448 ] من الأحرار والعبيد ، فأعلمته ذلك . فدعاني إلى ما هو عليه فأجبته . فقال لي : - « احتل فيمن قدرت عليه من الغلمان فأقبل بهم إلىّ . » ووعدني أن يقوّدنى على من آتيه به منهم وأن يحسن إلىّ ، واستحلفني ألَّا أعلم أحدا بموضعه وأن أرجع إليه ، فخلَّى سبيلي فأتيت بالدقيق الذي معي إلى الموضع الذي كنت قصدته ، وأقمت فيه يومى ، ثمّ رجعت إليه من غد فوافيته وقد قدم عليه غلمان كان وجّههم إلى البصرة في حوائج له وفيما حمل له حريرة يتّخذها لواء [ 1 ] فأمر أن يكتب عليها بحمرة وخضرة : * ( « إِنَّ الله اشْتَرى من الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وأَمْوالَهُمْ . » 9 : 111 ) * إلى آخر الآية . [ 2 ] وكتب اسمه واسم أبيه وعلَّقها في رأس مردىّ [ 3 ] وخرج في السحر من ليلة السبت لليلتين بقيتا من شهر رمضان . فلمّا صار في مؤخّر القصر الذي كان فيه لقيه غلمان رجل من الشورجيّين متوجّهين إلى أعمالهم . فأمر بأخذهم فأخذوا وكتف وكيلهم وأخذه معهم ، وكانوا خمسين غلاما ، وكان أهل البصرة في ذلك الزمان يشترون الزنوج ويخرجونهم إلى السباخ فيكسحونها حتّى يصلوا إلى التربة الطيّبة فيعمرونها ، وكسوح الزنج [ 449 ] بالبصرة معروفة تشاهد فيها تلال كالجبال وكان في أنهار البصرة منهم عشرات ألوف يعذّبون بهذه الخدمة ، وتجرى عليهم أقواتهم من الدقيق والتمر . ثمّ إنّ هذا الرجل العلوىّ سار من موضعه الذي ذكرنا ، فصار إلى الموضع
--> [ 1 ] . في مط : وفيما حمل إليه ليتّخذها لواء . ( بحذف « حريرة » ) . [ 2 ] . س 9 التوبة : 111 . [ 3 ] . المردىّ : خشبة تدفع بها السفينة .